الإثنين 15 جمادى الأولى 1440 هـ الموافق 21 يناير 2019 م
تسجيل دخول طالب
أُسد الغابة في معرفة الصحابة
الأحد 12 ربيع الأول 1438 هـ
أُسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير

 بدأ الاهتمام بتدوين "تاريخ الصحابة" في وقت مبكر من تاريخ الاسلام ، لكن أخبارهم جاءت مبثوثة مفرقة في كتب التراث الاسلامي المتقدمة عامة، ككتب رواية الحديث (الكتب الستة، و السنن، و الجوامع، و المصنفات .......الخ)، و كتب السيرة النبوية والمغازي ،و التاريخ العام و الأنساب و التفسير و غير ذلك ، كما ذكرهم أصحاب كتب الطبقات الى جوار غيرهم من الطبقات الأخرى كالواقدي (207ه/832م)،و ابن سعد(230ه/845م)،و خليفة بن خياط (240ه/890م)،و مسلم بن الحجاج (216ه/875م)، ويعقوب بن سفيان الفسويّ (277ه/890م)،و أبي بكر بن أبي خيثمة (279ه/892م)،وغيرهم، لكن هذه الجهود جاءت مفرقة متناثرة تجعل الاستفادة المباشرة منها عسيرة.
و لقد لمس علماء الرجال ضرورة وجود تأليف خاص بتاريخ الصحابة، فكان كتاب (أسماء الصحابة) للامام البخاري (256ه/869م) أول كتاب مفرد في الصحابة، ثم تبعه كثيرون مثل :
- بقي بن مخلد (276 ه/ 889 م) في (أسماء الصحابة و عدد ما رووا من أحاديث).
- ابن حبّان البُستيّ (354 ه / 965م ) في(تاريخ الصحابة الرواة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم).
- ابن منده ( 375 ه / 1004 م ) في (معرفة الصحابة ).
- أبو نعيم الأصبهاني (430 ه / 1038 م) في (معرفة الصحابة).
- المستغفري (432 ه / 1040 م) في (معرفة الصحابة).
- ابن حزم الظاهري(456 ه /1063م) في(أسماءالصحابة الرواةعن رسول الله صلى الله عليه و سلم ).
- ابن عبد البر ( 463 ه / 1070 م) في (الاستيعاب في معرفة الأصحاب).
- ابن الجوزي (597 ه /1200 م) في (أسماء رواة الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ) و غيرهم كثير.
على أن هذه المؤلفات و غيرها في هذا المجال تعددت أغراض مؤلفيها بين الاهتمام برواية الأخبار بأسانيدها و ايراد المتابعات و الشواهد الواردة في موضعها، و بين الاهتمام بالأنساب و إطالة الكلام فيها، و نحو ذلك فشغلوا عن المقصود الأصلي و لم يستقص أحد منهم جميع الصحابة فظلت الحاجة لكتاب جامع عمدة في موضوعه، بعيدًا عن فضول القول .
و هكذا انبرى عز الدين بن الأثير (555ه/1160م) فوضع كتابه (أسد الغابة في أسماء الصحابة (أو : في معرفة) الصحابة)، و الذي يشير اليه بعضهم باسم (أخبار الصحابة)و(معرفة الصحابة ). و هو كتاب حافل (يضم 7500 ترجمة)،استوعب ما سبقه من الكتب في موضوعه و زاد عليها ،و كانت أهم مصادره :
(الاستيعاب) لابن عبد البر و (معرفة الصحابة) لابن مندة و (معرفة الصحابة) لأبي نعيم الأصبهاني بالاضافة الى :
استدراكات أبي علي الغسّانيّ ( 498ه/1104م على (الاستيعاب) و (ذيل معرفة الصحابة لا بن منده) لأبي موسى المدني(-581ه/1185م).

و يتكون "أسد الغابة" من ثلاثة أقسام هي:
. المقدمة و الصحابة و الصحابيات.
أولا: المقدمة: و فيها أربعة أمور:
1- بيان الهدف من تأليف الكتاب،و توضيح منهجه، و ترتيبه، و رموزه.
2- سياق أسانيد المؤلف الى الكتب التي أكثر من التخريج عنها في كتابه، و بذلك يستغني عن إعادتها في كل موضع ترد فيه دفعا للإطالة.
3- تعريف اصطلاح "الصحابي"، و بيان عدد الصحابة .
4- ترجمة النبي صلى الله عليه وسلم و ملخص سيرته و شمائله بصورة موجزة.
و قد شغلت المقدمة 34 صفحة من القطع الكبير (من طبعة الشعب، مصر).
ثانيا : الصحابة : و هو أكبر أقسام الكتاب (6أجزاء)، وهو قسمان:
الأسماء (5أجزاء)،الكنى- وهو ما أوله (أبو)- و ملحقاتها( جزء واحد).
ثالثا: الصحابيات: و هو جزء واحد (السابع)، وهو أيضا قسمان : الأسماء و الكنى وملحقاتها أيضا.
و قد ألحق بالكنى في كلا القسمين : من عرف ب (ابن فلان) أو (بنت فلان) و المبهمون والمبهمات مثل : والد فلان، أخي فلان، خال فلان، عم فلان، رجل... الخ .و كذا :أخت فلان، بنت فلان، جدة فلان، خالة فلان، عمة فلان، زوجة فلان،امرأة، جارية، ظئر........ الخ.

ميزات الكتاب :
امتاز أسد الغابة بميزات متعددة :
1- محاولة الاستقصاء: فقد كان حتى وقت تأليفه أجمع كتاب ألّّف في باب ، و لم يسبق مثله .
2- حسن الترتيب: فهو مرتب ترتيبا هجائيا، مما يسهل استعماله، و كانت كتب الصحابة قبله مرتبة على الطبقات أو السنوات أو الأحداث عسيرة الترتيب.
3- حسن الوضع : حرص مؤلفه أن يكون مناسبا لموضوعه، فأهمل الأسانيد و الأنساب ، كما أهمل تراجم المخضرمين ؛ لأنهم ليسوا من الصحاب.
4- التنقيح و التحقيق في كثير من القضايا : حرص مؤلفه على تحقيق مواضع أخطأ فيها من قبله، كما حرص على ضبط المشكل من الأسماء، و شرح غريب الألفاظ.
رأي العلماء فيه :
لقد وقع الكتاب من العلماء الموقع الحسن، فأقبلوا عليه، وانتفعوا به، و أحالوا عليه، و أثنوا عليه الثناء الجميل، فوصفه السبكي بأنه ((كتاب حافل)) و قال النووي ((و قد جمع الشيخ عز الدين ابن الأثير الجزري في الصحابة كتابا حسنا جمع كتبا كثيرة، و ضبط و حقق أشياء حسنة)) و قال السراج البلقيني: (( و قد جمع ابن الأثير في الصحابة كتابا عضيما نبه فيه على زيادات مهمة جمة)).

مآخذ على الكتاب :
يؤخذ عليه أمور ، هي:
1- عدم استيعاب الصحابة: فعلى الرغم مما ما ألمح اليه في مقدمة كتابه من طلب الاستقصاء، ترك بعض الصحابة الذين استدركهم عليه غيره، مثل: ابراهيم بن جابر مولى خرشة: كان من عبيد أهل الطائف الذين نزلوا في حصار الطائف فأسلموا و لم يذكره ابن الأثير.
2- ادخال غير الصحابة : أوقع التقليد ابن الأثير في ذلك، فقد قلد مصادره التي نقل عنها في أخطاء وقعت فيها فأدخل جملة من الرجال ليسوا من الصحابة مثل : أزهر بن قيس الذي أورده ابن الأثير في الصحابة و هو ليس من الصحابة و في اسمه وهم فانما يسمى أزهر بن راشد( أو : ابن عبد الله) المزني، و كان من التابعين، قلد ابن الأثير في ذلك البغوي و ابن شاهين وابن عبد البر و أبا موسى في الصحابة .
3- التقصير في بعض التراجم : أهمل في بعض التراجم معلومات مهمة متعلقة بصاحب الترجمة ،و هي موضوع كتابه، كاهمال التفصيل في قصة مقتل مصعب بن عمير مع أهمية تلك القصة في بيان جلد مصعب و ثباته و قوة ايمانه فلم يذكر قصة ضرب يديه الواحدة تلو الأخرى و احتضان مصعب الراية بعضديه مع اشتهار القصة و اخراج ابن سعد لها في "الطبقات الكبرى"، وقد يلتمس له العذر في ذلك لأنه ألف كتابه في دار غربة بعيدا عن مصادره، لكن يبقى هذا المأخذ قائما على الكتاب.
4- ترجيحه أقوال أصحاب المغازي على الروايات الصحيحة : فقد أهمل ابن الأثير منهج المحدثين في نقد الأخبار و اعتمد على رأي أهل التاريخ و المغازي، فوقع في بعض الأخطاء مثل : ترجيحه قول الواقدي أن الصعبة بنت الحضرمي ماتت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، مخالفا ما رواه البخاري في "التاريخ" بسند صحيح أنها عاشت الى زمن عثمان . و قد أشار ابن حجر الى هذا المأخذ فقال :" و عكس ابن الأثير – كعادته – في تقديم أقوال أهل السّير أو النّسب على أصحاب الأسانيد الجياد" .
5- الجمع و التفريق : أكثر العرب من ألقاب وأنساب الرجل الواحد فجاءت الأخبار يذكر فيها اسم الرجل مقرونا باسم قبيلته مرة و مقرونا باسم البطن الذي ينتمي اليه من هذه القبيلة مرة أخرى و مقرونا بلقب له مرة ثالثة، و هذا قد يوقع الباحث في الحيرة أحيانا في تحديد هل هؤلاء رجل واحد أم أكثر، و قد يخطىء الدارس فيجمع بين مفترقين، و هذا مما يسمى في اصطلاح المحدثين (الجمع)، أو التفريق بين شخص واحد (وهو التفريق)، و قد وقعت مصادر ابن الأثير في الجمع و التفريق في الصحابة في بعض الأسماء، و قد نعى عليهم ابن الأثير ذلك، و ذكر أنه لن يصنع صنيعهم ثم ما لبث أن أخلّ بما قال،و تبعهم في الجمع و التفريق و هو ما يوقع في اللبس الشديد، و لم بنبه الى الصواب الا في القليل، فأعاد تراجم و كررها و أطال الكتاب و فرق الفائدة المتعلقة بالرجل الواحد في مواضع متعددة ، و لو جمع الرجل الواحد في مكان واحد ثم اكتفى في المواضع الأخرى بمجرد الاحالة لكان أحسن صنعا، و من أمثلة ذلك : تفريقه ترجمة أسماء بنت يزيد ابن السكن الأشهلية الأوسية الأنصارية خطيبة النساء في ثلاثة مواضع: أسماء بنت يزيد بن السكن و أسماء، مقينة عائشة و أسماء بنت يزيد، الأشهلية .

المؤلفات على أسد الغابة :
تعددت المصنفات على أسد الغابة بين مختصرات و استدراكات، فمن ذلك :
المختصرات:
1- النووي (677ه /1278م) : ((مختصر أسد الغابة)) .
2- الكاشغريّ (705ه /1305م) : ((مختصر أسد الغابة)).
3- محمد بن يحيى بن مسعود، المرزوقي، القدسي : ((درر الآثار و غرر الأخبار)).
4- أحمد بن محمد بن أحمد، الخضراويّ (1327ه /1918م) : ((معالم السعادة في أحاديث صاحب السيادة الملخص من أسد الغابة)).
الإستدراكات :
1- شمس الدين الذهبي (748ه/1347م): ((تجريد أسماء الصحابة)).
اكتفى فيه باسم الصحابي و أهم المعلومات عنه، مع تحقيق صحة نسبته الى الصحابة .
و قد استدرك فيه على أسد الغابة جماعة.
2- ابن حجر العسقلاني (852ه/1448م): ((الاصابة))، و هو كتاب مستقل عن أسد
الغابة، لكنه انتفع به كثيرا ، حتى كأنه بنى كتابه عليه، وقد استدرك فيه على ابن الأثير
جماعة، و تعقبه في مواضع.
2- مجمد بن عبد الله الحلبي (بعد 740ه/1339م) : ((الزيادة على أسد الغابة)).
3- زين الدين العراقي (806ه/1404م): جزء زاد فيه على ابن الأثير عدة أسماء .
مخطوطات الكتاب :
لأسد الغابة نسخ خطية كثيرة، أقدمها نسخة بخط المؤلف ، بقي لنا منها الجزء الثاني، و هي محفوظة بمكتبة أحمد الثالث 2825.
كما توجد نسخة ترجع الى عام 694ه/1294م، بخط عبد المغني بن عبد المؤمن بن ابراهيم البياتي، كانت بحوزة محققي طبعة دار الشعب من الكتاب ومن نسخه ايضا ما ذكره بروكلمان :
برلين 951، و ليدن091، و أيا صوفيا 3379(المجلد الثالث)، و القاهرة ثان 1/68، بونكيور12/704:702، و رامور أول 133:36، واتنه2/ 300 : 2396 : 2398 .

طبع الكتاب:
للكتاب عدة طبعات ، أحسنها طبعة دار الشعب (مصر) عام 1339ه/1973م ، تحقيق : محمد ابراهيم البنا، و محمد أحمد عاشور، و محمود عبد الوهاب فايد، و الطبعة من القطع الكبير، في سبعة أجزاء ، متوسط صفحات الجزء 500 صفحة ،و هي طبعة جيدة التحقيق، مضبوطة الأسماء، مرقمة التراجم، ألحق بكل جزء منها فهرست لتراجم الجزء، يعوزها نقد الروايات و الفهارس الجامعة المستقصية .
و هي أحسن طبعات الكتاب ، لم يبين المحققون الأصل المعتمد في اصدار طبعتهم ، و قد عنوا ببيان فروق طبعتهم عن نسخة مطبوعة و أخرى مخطوطة، و لم يبينوا مرادهم بهما، الا أن المرجح أن يكون المراد بالمطبوعة طبعة المطبعة الوهبية (القاهرة) عام 1285ه/1868م،و بالمخطوطة نسخة عبد المغني البياتي (السابقة)، اذ أثبتوا في آخر الكتاب ختام الناسخ لنسخته فعرفنا أنها المرادة.
ثم تحول الغزو من (المخطوطة) الى (المصورة)!!! (مثلا:7/62, 63و،و223)، و في7/223 أن على حاشيتها نقل عن "نسخة الذهبي"(؟!).

أهمية الكتاب :
الكتاب في المقام الأول أراد به مؤلفه تزويد الباحثين في علوم الحديث و نقد الرواية بمرجع شامل لتراجم الصحابة، لكنه ،بلا شك، موسوعة علمية شاملة و شائقة تزود الباحثين في التاريخ الاسلامي و الحضارة الاسلامية بزاد وفير من المعرفة،و فيما اشتمل عليه من روايات عن النبي صلى الله عليه وسلم و الصحابة رضوان الله عليهم زاد وفير لدارسي اللغة العربية و لهجات العرب و ألفاظها، و عاداتهم و أخلاقهم و سلوكهم.
الا أن الكتاب لم يلق حظه الى الآن من التحقيق العلمي المناسب الذي يعتمد على المخطوطات الموثقة، و تخريج الروايلت و نقد الأخبار معتمدا على أصول نقد الحديث ، هذا بالاضافة الى مسيس الحاجة الى فهارس دقيقة شاملة تقرب فوائد الكتاب و تكشف عن كنوزه.

المصادر و المراجع:
بروكلمان: تاريخ الأدب العربي 6 : 138، البلقيني: محاسن الاصطلاح422، حاجي خليفة: كشف الظنون 1 : 82، ابن خلكان : وفيات الأعيان 3: 349، الذهبي :سير النبلاء22: 354، السبكي :طبقات الشافعية الكبرى 8: 300، السخاوي: فتح المغيب 3: 85، سركيس : معجم المطبوعات 1: 37، السيوطي : تدريب الراوي2/208، طاش كبري زاده: مفتاح السعادة 1: 254، ابن العماد : شذرات الذهب 5: 137، فيصل السامر :ابن الأثير 152 153-، الكتاني : الرسالة المستطرفة 96، ابن كثير : البداية و النهاية 13: 139، النووي : شرح مسلم 2: 221، النووي : التقريب و التيسير 2: 207و 208.