الثلاثاء 19 رجب 1440 هـ الموافق 26 مارس 2019 م
تسجيل دخول طالب
من أخلاق الحفاظ
الأربعاء 13 رجب 1437 هـ
قال الإمام محمد بن الحسين الآجرّي رحمه الله في بيان أخلاق أهل القرآن : "ينبغي لمن علَّمه الله القرآن ، وفضَّله على غيره ممن لم يُحمِّله كتابه ،وأحب أن يكون من أهل القرآن وأهل الله وخاصته ، وممن وعده الله بالأجر العظيم ، وممن قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة ، والذي يقرؤه وهو عليه شاقٌ له أجران)، وقال بشر بن الحارث : سمعت عيسى بن يونس يقول : إذا ختم العبدُ القرآن قبَّل المَلَك بين عينيه . فينبغي له أن يجعل القرآن ربيعاً لقلبه ؛ يعمِّر به ما خرب من قلبه ؛ يتأدَّب بآداب القرآن ، ويتخلق بأخلاق شريفة يتميز بها عن سائر الناس ممن لا يقرأ القرآن ، فأوّل ما ينبغي أن يستعمل تقوى الله في السر والعلانية باستعمال الورع في مطعمه ، ومشربه ، ومكسبه ؛ بصيراً بزمانه وفساد أهله ، فهو يحْذرهم على دينه ، مقبلاً على شأنه، مهموماً بإصلاح ما فسد من أمره، حافظاً للسانه ، مميزاً لكلامه، إن تكلّم تكلّم بعلم إذا رأى الكلام صواباً ، وإن سكت سكت بعلم إذا كان السكوت صواباً، قليل الخوض فيما لا يعنيه، ويخاف من لسانه أشدَّ مما يخاف من عدوه ، يحبس لسانه كحبسه لعدوه؛ ليأمن شره وسوء عاقبته، قليل الضحك فيما يضحك منه الناس لسوء عاقبة الضحك، إن سُرَّ بشيء مما يوافق الحق تبسّم ، يكره المُزاح خوفاً من اللعب، فإن مزح قال حقًّا، باسط الوجه، طيّب الكلام، لا يمدح نفسه بما فيه، فكيف بما ليس فيه!
يحْذر من نفسه أن تغلبه على ما تـَهوى مما يُسخِط مولاه ، ولا يغتاب أحداً ، ولا يحْقر أحداً ، ولا يشمت بمصيبة ، ولا يبغي على أحد ، ولا يحسده ، ولا يسيء الظنَّ بأحد إلا بمن يستحق ، يحسد بعلم، ويظنّ بعلم ، ويتكلم بما في الإنسان بعلم ، ويسكت عن حقيقة ما فيه بعلم ؛ قد جعل القرآن والسنة والفقه دليلَه إلى كل خلُق حسن جميل، حافظاً لجميع جوارحه عما نُهيَ عنه، إن مشى مشى بعلم ، وإن قعد قعد بعلم، يجتهد ليسلم الناس من لسانه ويده ، لا يجهل ، وإن جُهِل عليه حلم ، لا يظلم وإن ظُلم عفا ، لا يبغي على أحد ، وإن بغي عليه صبر، يكظم غيظه ليُرضي ربّه، ويغيظ عدوه ، متواضع في نفسه ، إذا قيل له الحق قَبِلَه من صغير أو كبير ، يطلب الرفعة من الله تعالى ، لا من المخلوقين ، ماقتٌ للكبر خائف على نفسه منه.
لا يتأكل بالقرآن، ولا يُحب أن تُقضى له به الحوائج، لا يسعى به إلى أبناء الملوك ، ولا يجالس به الأغنياء ليُكرموه ، إن كسب الناس من الدنيا الكثير بلا فقه ولا بصيرة كسَب هو القليل بفقه وعلم، إن لبس الناس الليّن الفاخر لبس من الحلال ما يستر عورته ، أن وُسّع عليه وسع ، وإن أُمسك عنه أمسك، يقنع بالقليل فيكفيه ، ويحْذر على نفسه من الدنيا ما يُطغيه، يتبع واجبات القرآن والسنة، يأكل الطعام بعلمٍ، ويشرب بعلم، ويلبس بعلم، وينام بعلم ، ويجامع أهله بعلمٍ، ويصحب الإخوان بعلم ، يزورهم بعلمٍ ، ويستأذن عليهم بعلمٍ ، ويُسلِّم عليهم بعلم، يجاور جاره بعلم ، يُلزم نفسه برَّ والديه ، فيخفض لهما جناحه ، ويخفض لصوتهما صوته ، ويبذل لهما مالَه ، وينظر إليهما بعين الوقارِ والرحمة يدعو لهما بالبقاء ، ويشكر لهما عند الكبر ، لا يضجر بهما ، ولا يحرِمُهما، إن استعانا به على طاعةٍ أعانهما ، وإن استعانا به على معصية لم يعِنهما ، ورفق بهما في معصيته إيّاهما ، يُحسن الأدب ليرجعا عن قبيح ما أرادا مما لا يحسن بهما فعْله ، يصل الرحم ويكره القطيعة ، مَن قطعه لم يقْطعه، مَن عصى الله فيه أطاع الله فيه.
يصحب المؤمنين بعلم ، ويُجالسهم بعلم ، من صحِبه نفعه، حسَنُ المجالسة لمن جالس ، وإن علَّم غيره رفَق به ، لا يُعنِّف من أخطأ ولا يُخجِله ، رفيق في أموره ، صبور على تعليم الخير ، يأنس به المتعلم ، ويفرح به المجالِس، مجالسته تفيدُ خيراً ، مؤدِّبٌ لمن جالسه بأدب القرآن والسنة ، إن أُصيب بمصيبةٍ فالقرآن والسنة له مؤدِّبان ، يحْزنُ بعلم ، ويبكي بعلم ، ويصبر بعلم، ويتطهَّرُ بعلم، ويُصلّي بعلم ، ويُزكِّي بعلم، ويتصدَّق بعلم ، ويصوم بعلم، ويحجُّ بعلم ، ويجاهد بعلم، ويتكسبُ بعلم ، وينفقُ بعلم، ويتبسّط في الأمور بعلم، وينقبض عنها بعلم  ، قد أدبَّه القرآن والسنة، يتصفّح القرآن ليؤدّب نفسه ، لا يرضى من نفسه أن يؤدِّي ما فرض الله عليه بجهل، قد جعل العلم والفقه دليلَه إلى كل خير.
إذا درس القرآن والسنة فبحضور فهمٍ وعقل ، همتُه إيقاع الفهم لما ألزمه الله من اتباع ما أمر، والانتهاء عما نهى، ليس همته متى أختم السورة ، همته متى أستغني بالله عن غيره؟ متى أكون من المتقين ؟ متى أكون من المحسنين؟ متى أكون من المتوكلين؟ متى أكون من الخاشعين ؟ متى أكون من الصابرين؟ متى أكون من الصادقين ؟ متى أكون من الخائفين؟ متى أكون من الراجين ؟ متى أزهد في الدنيا ؟ متى أرغب في الآخرة؟ متى أتوب من الذنوب ؟ متى أعرف قدر النعم المتواترة؟ متى أشكره عليها ؟ متى أعقل عن الله الخطاب؟ متى أفقه ما أتلو ؟ متى أغلب نفسي على ما تهوى؟ متى أُجاهد في الله حق الجهاد ؟ متى أحفظ لساني ؟ متى أغض طرفي؟ متى أحفظ فرجي ؟ متى أستحي من الله حق الحياء ؟ متى أشتغلُ بعيبي ؟ متى أُصلح ما فسد من أمري ؟ متى أُحاسب نفسي؟ متى أتزوّدُ ليوم معادي ؟ متى أكون عن الله راضياً ؟ متى أكون بالله واثقاً ؟ متى أكون بزجر القرآن متّعِظاً ؟ متى أكون بذكره عن ذكر غير مشتغلاً ؟ متى أَحبّ  ما أحَبَّ ؟ متى أُبغِضُ ما أبغض؟ متى أنصح لله ؟ متى أُخلص له عملي ؟ متى أُقصِّـر أملي؟ متى أتأهّب ليوم موتي وقد غُيِّب عني أجلي ؟ متى أعمُرُ قبري ؟ متى أُفكّر في الموقف وشدّته؟ متى أُفكر في خلوتي مع ربي ؟ متى أُفكر في المنقلب؟.
متى أحذر مما حذرني منه ربي ؛ من نار حرّها شديد، وقعرها بعيد، وغمها طويل، لا يموت أهلها فيستريحوا، ولا تُقالُ عثرتهم، ولا تُرحم عبرتهم، طعامهم الزّقوم، وشرابهم الحميم، كلما نضجت جلودهم بُدّلوا جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب، ندِموا حيث لا ينفعهم الندم ، وعضّوا على الأيدي أسفاً على تقصيرهم في طاعة الله وركوبهم لمعاصي الله .
فهذه النار يا معشر المسلمين، يا حملة القرآن،حذَّرها الله المؤمنين في غير موضع من كتابه رحمةً منه للمؤمنين، وحذر المؤمنين أن يغفلوا عمّا فرض الله عليهم، وما عهِد إليهم ألا يُضيِّعوه، وأن يحفظوا ما استرعاهم من حدوده، ولا يكونوا كغيرهم ممن فَسَق عن أمره فعذّبهم بأنواع العذاب.
فالمؤمن العاقل إذا تلا القرآن استعرضه فكان كالمرآة يرى ما حسُن من فعله وما قبـُح منه، فما حذَّره مولاه حذِرَه، وما خوَّفه به من عقابه خافه، وما رغّبه فيه مولاه رغِب فيه ورجاه، فمن كانت هذه صفته أو قارب هذه الصفة فقد تلاه حقَّ تلاوته، ورعاه حقّ رعايته ، وكان له القرآن شاهداً وشفيعاً وأنيساً وحِرْزاً ، ومن كان هذا وصفـه نفع نفسه ونفع أهله، وعاد على والديه وعلى ولده كلُّ خير في الدنيا والآخرة".
اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لايهدي لأحسنها إلاأنت، واصرف عنا سيئها لايصرف عنا سيئها إلا أنت.