الثلاثاء 19 رجب 1440 هـ الموافق 26 مارس 2019 م
تسجيل دخول طالب
العمل بالقرآن
الثلاثاء 12 رجب 1437 هـ
إن النصوص من الكتاب والسنة التي تفيد العمل بالعلم وذم من لا يعمل بعلمه عامة تشمل العمل بالقرآن، وكل ما جاء في هذه الشريعة الإسلامية، إلا أننا نجد نصوصاً أخرى تركز على وجوب العمل بالقرآن والتقيد بأوامره ونواهيه. ولا سيما من رزقه الله – تعالى – حفظ كتابه وتجويد تلاوته. ونحن نشير إلى طرف منها.
قال – تعالى -: (الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته )[البقرة: 121].
يقول ابن مسعود – رضي الله عنه -: "والذي نفسي بيده إن حق تلاوته: أن يحل حلاله، ويحرم حرامه، ويقرأه كما أنزله الله، ولا يحرف الكلم عن مواضعه، ولا يتأول منه شيئاً على غير تأويله".
وعن مجاهد قال: (يتلونه حق تلاوته): يتبعونه حق اتباعه.
وهكذا قال ابن عباس والحسن البصري وعطاء وغيرهم. وهذا على القول بأن الآية يراد بها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. آمنوا بكتاب الله وصدقوا به كما رواه ابن جرير عن قتادة.
وحتى على القول الثاني وهو أن المراد بها علماء بني إسرائيل بدلالة ما قبلها وما بعدها تكون الآية دليلاً لما نحن بصدده. لأنه إذا ثبت ذلك في حق أهل الكتاب بالنسبة إلى كتابهم. فهو مطلوب من المسلمين بالنسبة إلى القرآن من باب أولى. لأن القرآن له من الخصائص والمطالب ما ليس لغيره لأن الله – تعالى – جعله مصدقاً لما قبله ومهيمناً عليه.
إن الغاية الكبرى من إنزال القرآن، تصديق أخباره والعمل به بامتثال ما يأمر به واجتناب ما ينهى عنه، ليس الغرض من إنزاله التلاوة اللفظية وهي القراءة الصحيحة التي يكون القارئ فيها متحلياً بأجمل الصفات وأشرف الخصال، تعظيماً لله – تعالى – وتأدباً مع كلامه فإن هذا وإن كان مطلوباً لكن هناك تلاوة حكمية عليها مدار السعادة أو الشقاء إنها اتباع القرآن. وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – أن لفظ التلاوة إذا أطلق في مثل قوله تعالى:(الذين أتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته). تناول العمل بالقرآن كما تقدم عن ابن مسعودرضي الله عنه وغيره.
فتلاوة كتاب الله تعني شيئاً آخر غير المرور بكلماته بصوت أو بغير صوت، تعني تلاوته عن تدبر، ينتهي إلى إدراك وتأثر، وإلى عمل بعد ذلك وسلوك.
وعلى هذا درج السلف الصالح من هذه الأمة، فهم يتعلمون القرآن ويصدقون به. ويطبقونه في كل شأن من شئون حياتهم، لقد كان الواحد منهم يتلقى القرآن ليعمل به فور سماعه، فيقوم بتنفيذ أحكامه في خاصة شأنه وشأن الجماعة التي يعيش فيها أخرج بن جرير – رحمه الله – بسنده عن ابن مسعود – رضي الله عنه – قال: "كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن".
وعن أبي عبد الرحمن السلمي – وهو من كبار التابعين – قال: "حدثنا الذين كانوا يقرئوننا أنهم كانوا يستقرئون من النبي صلى الله عليه وسلم فكانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يخلفوها حتى يعملوا بما فيها من العمل. فتعلمنا القرآن والعمل جميعاً".
وقد ذم الله – تعالى – اليهود على تركهم العمل بما في التوراة من العقائد والعبادات والآداب والأخلاق. وشبههم بالحمار الذي يحمل على ظهره أسفاراً من كتب العلم النافع، وهو لا يدرك ما على ظهره من الخير. فقال تعالى:(مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين)[الجمعة: 5].
ولا ريب أن من يقرأ القرآن ويعرض عن أحكامه وآدابه فيه شبه من اليهود. فليحذر طالب العلم وقارئ القرآن أن ينطبق عليه هذا المثل الذي قال الله عنه: (بئس مثل القوم).
يقول القرطبي – رحمه الله -: (وفي هذا تنبيه من الله تعالى لمن حمل الكتاب أن يتعلم معانيه ويعلم ما فيه لئلا يلحقه من الذم ما لحق هؤلاء).
وقال ابن القيم –رحمه الله - (فقاس من حمّله سبحانه كتابه ليؤمن به، ويتدبره، ويعمل به، ويدعو إليه، ثم خالف ذلك ولم يحمله إلا على ظهر قلب – فقراءته بغير تدبر ولا تفهم ولا اتباع له ولا تحكيم له وعمل بموجبه – كحمار على ظهره زاملة أسفار، لا يدري ما فيها، وحظه منها حملها على ظهره ليس إلا، فحظه من كتاب الله كحظ هذا الحمار من الكتب التي على ظهره، فهذا المثل وإن كان قد ضرب لليهود فهو متناول من حيث المعنى لمن حمل القرآن فترك العمل به، ولم يؤد حقه، ولم يرعه حق رعايته).
وقد ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم الوعيد العظيم لمن أعرض عن القرآن، وذلك في حديث سمرة بن جندب – الطويل – عن النبي صلى الله عليه وسلم في الرؤيا التي رآها قال: "أما الذي يثلغ رأسه بالحجر فإنه يأخذ القرآن فيرفضه وينام عن المكتوبة". وفي رواية: "والذي رأيته يشدخ رأسه فرجل علمه الله القرآن فنام عنه بالليل، ولم يعمل به بالنهار".
قال ابن هبيرة: (رفض القرآن بعد حفظه جناية عظيمة لأنه يوهم أنه رأى فيه ما يوجب رفضه فلما رفض أشرف الأشياء وهو القرآن عوقب في أشرف أعضائه وهو الرأس).
وقال الحافظ ابن حجر: ([قوله: وينام عن الصلاة المكتوبة]: هذا أوضح من رواية جرير بن حازم بلفظ "علمه الله القرآن فنام عنه بالليل ولم يعمل فيه بالنهار" فإن ظاهره أنه يعذب على ترك قراءة القرآن بالليل بخلاف رواية عوف فإنه على تركه الصلاة المكتوبة. ويحتمل أن يكون التعذيب على مجموع الأمرين ترك القراءة وترك العمل).
وعلى أي حال فهذا وعيد شديد لأن ثلغ الرأس وشدخه عقوبة عظيمة دالة على أن ترك العمل بالقرآن ذنب، يستحق مرتكبه العقاب نسأل الله الهداية والسلامة.
وكما ورد عنه صلى الله عليه وسلم الوعيد على هجر القرآن سلوكاً وعملاً. كذا ورد عنه بيان ثواب من عمل بالقرآن وأنه حجة لصاحبه يوم القيامة. ففي حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "والقرآن حجة لك أو عليك".
قال القرطبي في (التذكار في أفضل الأذكار): (القرآن حجة لمن عمل به واتبع ما فيه. وحجة على من لم يعمل به ولم يتبع ما فيه. فمن أوتي القرآن فلم ينتفع، وزجرته نواهيه فلم يرتدع، وارتكب من المآثم قبيحاً، ومن الجرائم فضوحاً، كان القرآن حجة عليه وخصماً لديه).
وقال مكي بن أبي طالب القيسي في الرعاية: (أولى الناس بهذا القرآن من عمل به وإن لم يحفظه. وإن أشقى الناس بهذا القرآن من حفظه ولم يعمل بما فيه . . فليتق الله حامل القرآن في نفسه وليخلص الطلب والعمل لله. فإن كان قد تقدم له شيء مما يكره فليبادر إلى التوبة والإنابة من ذلك. وليبدأ بالإخلاص في طلبه وعمله فالذي يلزم حامل القرآن من التحفظ أعظم مما يلزم غيره كما أن له من الأجر ما ليس لغيره).
وعن النواس بن سمعان – رضي الله عنه – قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به. تقدمه سورة البقرة وآل عمران. وضرب لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أمثال ما نسيتهن بعد قال: كأنهما غمامتان أو ظلمتان سوداوان بينهما شرق أو كأنهما حِزْقان من طير صواف. تحاجان عن صاحبهما".
فتأمل – رحمك الله – هذا الحديث حيث دل على أن من قرأ القرآن وعمل به فهو من أهل القرآن، ومن قرأه ولم يعمل به لم يكن من أهله. فلا يكون القرآن شفيعاً له بل يكون حجة عليه.
كما دلً على أن القرآن يخاصم عن صاحبه المكثر من قراءته ويظهر حجته. ومن كان القرآن مخاصماً عنه فإن الفوز والنصر والفلاح سيكون من نصيبه إن شاء الله تعالى.
وعن أبي أمامة – رضي الله عنه – قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "اقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه".
وعن جابر – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "القرآن شافع مشفع وما حل مصدق، من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه قاده إلى النار".
نعم، إن ربي على كل شيء قدير. إن ظاهر هذا الحديث وما قبله يدل على أن الله – جل وعلا – يصور القرآن بصورة، بحيث يجيء يوم القيامة ويراه الناس. فليقبل المؤمن هذا وأمثاله، ويؤمن به وليس للعقل فيه مجال.
القرآن يأتي يوم القيامة فيشفع لصاحبه المشتغل به الذي يأتمر بأمره وينـزجر عن نهيه، يشفع له عند الله وتقبل شفاعته. وما جعله الله – تعالى – شافعاً إلا ليقبل شفاعته. ثم يقوده إلى الجنة. نسأل الله الكريم من فضله.
أما من قرأ القرآن وتعدى حدوده وضيع فرائضه وترك طاعته فإنه لا يشفع له. بل يكون شاهداً عليه. ويقوده إلى النار عياذاً بالله.
يقول ابن الأثير – رحمه الله -: (وما حل مصدق أي: خصم مجادل مصدق. وقيل ساع مصدق. من قولهم: محل بفلان إذا سعى به إلى السلطان. يعني أن من اتبعه وعمل بما فيه فإنه شافع مقبول الشفاعة. ومصدق عليه فيما يرفع من مساويه إذا ترك العمل به).